الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
139
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
التي لها مطابق بحسب الواقع فلا يصح جعلها مدلولا للإنشاء ومنها أن ما يستفاد من الصيغة بناء على القول المذكور إنما هو إيجاب الفعل على المأمور وإلزامه به ووجوب الفعل عليه متفرع على الإيجاب تابع له فلا يتجه جعل الموضوع له للصيغة هو الوجوب بل ينبغي جعلها بإزاء الإيجاب كما هو مختار البعض والجواب عن الأول أنه ليس المراد من كونه حقيقة في الوجوب أن ذلك تمام معناه بل المقصود كونها حقيقة فيه مع انضمام ما يضم إليه مما أخذ في معناه إلا أنه لما كان هذا الجزء هو محل الخلاف في المقام وكان اعتبار غيره معلوما من الخارج اكتفوا في المقام بذكر الوجوب وتركوا ذكر الباقي اتكالا على الوضوح ويمكن أن يجاب أيضا بأن المراد كون الصيغة باعتبار وضعها الهيئي حقيقة في ذلك وليس المراد وضع الهيئة بنفسها لذلك حتى يرد ما ذكر من كون الهيئة مرآتا للوضع لا أنها موضوعة للمعنى فإن قلت لا ريب في عدم تعدد الوضع المتعلق باللفظ الواحد باعتبار المعنى الواحد وحينئذ فليس لصيغ الأمر بالنسبة إلى ما يراد منها إلا وضع واحد متعلق بتلك الكلمة باعتبار مادتها وهيئتها فليس هناك وضعان متعلقان بها أحدهما بمادتها والآخر بهيئتها كما قد يتراءى من ظواهر بعض الكتاب فالإشكال المذكور بحاله قلت لا ريب في كون الوضع المتعلق بتلك الصيغة باعتبار مادتها وهيئتها واحدة كسائر المواد والهيئات المأخوذة في الجوامد وإن كان الوضع هنا نوعيا وفي الجوامد شخصيّا إلا أن الفرق بينهما أن المادة والهيئة في الجوامد حتى المصادر ملحوظتان في الوضع بلحاظ واحد بخلاف المقام حيث إن ملحوظ الواضع حين الوضع كون اللفظ باعتبار مادته بإزاء الحدث وباعتبار هيئته بإزاء الوجوب على الوجه الذي سنذكره إن شاء الله أو غير ذلك من المعاني الملحوظة في الهيئات فبملاحظة ذلك ينزل الوضع المذكور منزلة وضعين وكان هذا هو مرادهم بما ذكره من تعلق وضعين بتلك الصيغ باعتبار موادها وهيئاتها حسبما يفصل القول فيه في محل آخر إن شاء الله وحينئذ فإطلاق أن الصيغة حقيقة في ذلك إنما يراد به ذلك بقي الكلام فيما ذكر من تعدد معناه الهيئي أيضا نظرا إلى أخذ الزمان والإسناد إلى فاعل ما في مدلول الأفعال فلا يكون الوجوب تمام معناه الهيئي وقد يدفع بأن فعل الأمر منسلخ عن الزمان حيث إنه يراد منه طلب الفعل فلا دلالة فيه على الزمان حسبما يجيء الإشارة إليه في كلام المصنف والوجوب الملحوظ في المقام ليس معنى تامّا بل أخذ حالا في النسبة الملحوظة في تلك الصيغ فالنسبة ملحوظة فيه حسبما سنشير إليه وعن الثاني بأن مفاد الصيغة هو الوجوب المصطلح حيث إنه وضعت الصيغة للدلالة عليه فيكون الإلزام المستفاد منها هو الحاصل من المعاني الذي يستحق في مخالفته الذم والعقاب فتدل على أن القائل بها شخص عال أوجب الفعل على المخاطب والحاصل أن الصيغة موضوعة لخصوص الأمر أي لخصوص الطلب الصادر من العالي المستعلي بناء على انحصار الاستعلاء في الإيجاب فلا يكون الطلب الصادر من غيره من موضوع اللفظ ويكون استعماله إذن مجازا كذا اختاره بعض الأفاضل عند تقرير محل الخلاف على طبق ما حكينا عنه من اعتبار العلو والاستعلاء معا في الأمر وتفسير العلو بما مر وأنت خبير بأن الكلام المذكور في غاية البعد وكيف يقال بانحصار مدلول الأمر حقيقة في ذلك مع أن معظم استعمالاته اللغوية والعرفية على خلاف ذلك وقد عرفت أن العلو المأخوذ فيه حسبما مر هو العلو العرفي دون العلو الذي يوجب استحقاق الذم والعقاب في مخالفته فدعوى دلالة الصيغة على أن المتكلم بها ممن يجب طاعته عقلا أو شرعا موهونة جدا بل دعوى كونها موضوعة لخصوص الأمر غير ظاهره أيضا بل الظاهر وضعها للأعم من الأمر والالتماس والدعاء فليس العلو أو الاستعلاء معتبرا في وضعها أصلا وإنما يعتبر ذلك في كونها أمرا كما يعتبر خلافه في كونها التماسا أو دعاء وذلك ظاهر بعد ملاحظة الاستعمالات المتداولة كمال الظهور كيف ولولا ذلك لم يكن للطلب الالتماسي والدعائي صيغة موضوعة يكون استعمالها فيهما حقيقة مع أن الحاجة إليهما في الاستعمالات ودورانهما في المخاطبات إن لم يكن أكثر من الأمر فليس بأقل منه فكيف يتصور تخصيص الواضع لوضع صيغة الطلب الأمر وإهماله لهما فالذي ينبغي أن يقال بناء على القول بوضع الصيغة للوجوب أنها موضوعة للطلب الحتمي بمعنى طلب الفعل على وجه لا يرضى تركه وذلك إن صدر من العالي أو المستعلي كان أمرا وإن صدر عن غيره كان التماسا أو دعاء ومدلول الصّيغة وضعا شيء واحد في الجميع وخصوصية الأمر والالتماس والدعاء تعرف من ملاحظة حال القائل وليست تلك الخصوصيات مما يستعمل اللفظ فيه واستعمال الصيغة على كل من الوجوه المذكورة على سبيل الحقيقة من غير تعدد في الوضع واستحقاق الذم أو العقاب على تركه بحسب الواقع إنما يجيء من الخارج بعد ثبوت وجوب الإتيان بما يطلبه المتكلم من العقل أو الشرع وليس ذلك من مدلول اللفظ بحسب وضع اللغة أصلا فالمقصود بالوجوب في المقام هو ما ذكرناه من الطلب الحتمي لا الوجوب المصطلح وهو وإن كان خلاف مصطلحهم إلا أن ظاهر المقام قرينة مرشدة إليه ويتحد ذلك بالوجوب المصطلح إذا صدرت الصيغة من الشرع إن أخذ الوجوب بمعنى طلب الشرع على الوجه المخصوص وإن أخذ بمعنى كون الفعل بحيث يستحق تاركه الذم أو العقاب فلا يكون ذلك من مدلول الصيغة بحسب الموضوع مطلقا بل هو من المعاني المتفرعة اللازمة للطلب المذكور إذا صدرت الصيغة ممن يحرم مخالفته سواء صدر من الشارع أو غيره وليس ذلك من خواص الأمر بل قد يوجد في الالتماس والدّعاء حسبما مرت الإشارة إليه فبما قررناه ظهر اندفاع الإيراد المذكور لابتنائه على حمل الوجوب على المعنى المصطلح وعن الثالث أن المراد بالوجوب هنا كما عرفت طلب الفعل على سبيل الحتم وعدم الرضاء بالترك لكن ليس الطلب المذكور ملحوظا في المقام على سبيل الاستقلال بأن يكون الوجوب معنى مستقلا ملحوظا بذاته ليمكن وقوعه مستندا في المقام إذ ليس القابل للإسناد في الأفعال إلا في معانيها الحديثة فإنها هي المعاني التامة الصّالحة للإسناد إلى الغير والطلب المذكور إنما أخذ آلة ومرآتا لملاحظة نسبة الحدث إلى فاعله والمستفاد من تلك الجملة الطلبية إسناد الحدث المدلول عليه بالمادة إلى فاعله على سبيل كونه مطلوبا فليس الطلب الملحوظ في المقام إلا معنى حرفيا غير مستقل في الملاحظة وقد جعلت هيئة الأمر دالة عليه كما وضع له في سائر الطلبيات من التمني والترجي والاستفهام